سيد محمد طنطاوي

247

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والمعنى : الذين يظاهرون منكم - أيها المؤمنون - من نسائهم بأن يقولوا لهن : أنتن علينا كظهر أمهاتنا ، مخطئون فيما يقولون ، فإن زوجاتهم لسن بأمهاتهم . * ( إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ ) * أي : ليس أمهاتهم على سبيل الحقيقة والواقع إلا النساء اللائي ولدنهم وأرضعنهم ، وقمن برعايتهم في مراحل الطفولة والصبا والشباب . ثم أكد - سبحانه - هذا المعنى بقوله : * ( وإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وزُوراً ) * . أي : وإن هؤلاء الرجال الذين يقولون لأزواجهم : أنتن علينا كظهور أمهاتنا في الحرمة ، ليتفوهون بما هو منكر من القول ، في حكم الشرع وفي حكم العقل ، وفي حكم الطبع . وفضلا عن كل ذلك فهو قول كاذب وباطل إذ لم يحرم اللَّه - تعالى - الزوجة على زوجها ، كما حرم عليه أمه . فعلاقة الأزواج بأمهاتهم ، تختلف اختلافا تاما عن علاقتهم بزوجاتهم . وإذا فالمقصود بهذه الجملة الكريمة : التوبيخ على هذا القول ، وهو قول الرجل لزوجته : أنت على كظهر أمي ، وذم من ينطق به ، لأنه يعرض مقام الأمهات - وهو مقام في أسمى درجات الاحترام والتبجيل - إلى تخيلات قبيحة تصاحب النطق بهذا الكلام . وكعادة القرآن الكريم في قرن الترهيب بالترغيب ، حتى لا تيأس النفوس من رحمة اللَّه ، ختمت الآية الكريمة بما يدل على فضله - تعالى - . فقال : * ( وإِنَّ اللَّه لَعَفُوٌّ غَفُورٌ ) * أي : وإن اللَّه - تعالى - لكثير العفو والمغفرة ، لمن تاب إليه - سبحانه - وأناب وأقلع عن تلك الأقوال والأفعال التي يبغضها - سبحانه - . ثم أخذت السورة الكريمة في تفصيل حكم الظهار ، بعد بيان كونه منكرا من القول وزورا ، فقال - تعالى - : * ( والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ، ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا ، فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ) * . وقد اختلف العلماء في معنى قوله - تعالى - : * ( ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا ) * . فمنهم من يرى أن المراد منه ، ثم يرجعون عما قالوا ، قاصدين معاشرة زوجاتهم . . أو قاصدين تحليل ما حرموه على أنفسهم بالنسبة لزوجاتهم بسبب الظهار . ومنهم من يرى أن المراد بهذه الجملة : العودة إلى ما كانوا يقولونه في الجاهلية ، بعد أن هداهم اللَّه - تعالى - إلى الإسلام ، فيكون المعنى : ثم يعودون إلى ما كانوا يقولونه في الجاهلية من ألفاظ الظهار ، التي يبغضها اللَّه - تعالى - . وهذا القول يبدو عليه الضعف من جهة : جعله الفعل المضارع الدال على الحال والاستقبال وهو يَظْهَرُونَ ، بمعنى الماضي المنقطع ، ومن جهة جعلهم أن المظاهر بعد الإسلام ، كان